Mohamed Beshir Hamid

العميل المزدوج

دأبت صحافة الجبهة الإسلامية وخاصة صحيفة (ألوان) على أتهام عددا من الشخصيات الأكاديمية، بينهم كاتب المقال، بالشيوعية (وصفته منشوراتهم خلال الفترة الإنتقالية “بالوزير الأحمر”). ثم تمت ترقيته أثناء فترة الديمقراطية الثالثة إلى عميل للمخابرات الأمريكية وأراد الكاتب فى هذا المقال الساخر أن يبرهن على صحة هذا التناقض بإتهام نفسه بالعمالة المزدوجة!

 

الأيام ٤ أغسطس ۱۹۸۸

 

العميل المزدوج

 

كان الوقت قرابة الثالثة صباحاﹰ عندما صحوت مرتاعاﹰ على رنين جرس التلفون المتواصل. ولعل مصدر إنزعاجى أن تلفون منزلى قد همدت حرارته منذ سنوات وقد تأكدت بنفسى أن الروح قد فارقته عندما قمت فى لحظة غضب بنزع أسلاكه وبركل الجهاز الى ركن قصى. فلا أحد يستطيع إذن أن يلومنى إن توهمت لفترة بأننى أحلم. نظرت حولى وأنا أدعك عينييّ وتيقنت أن ما يحدث هو الواقع الحقيقى وليس أضغاث احلام. فالتلفون المنزوع الأسلاك يرن فعلاﹰ وبإصرار غريب. رفعت السماعة أو بالأحرى ما تبقى منها وجاءنى صوت عاملة الهاتف يسأل إن كنت على إستعداد لتلقى محادثة دولية على أن أتعهد بدفع قيمتها محلياﹰ. زاد إندهاشى فالأمر لم يعد يخص شأن هاتفى الذى أصبح يعمل لاسلكياﹰ بل شمل أيضاﹰ هذا التطور المفاجئ فى الخدمات الهاتفية بحيث أصبحنا نتعامل بين ليلة وضحاها بنظام الدفع المحلى (collect call) للمحادثات الدولية كما يحدث فى كل أنحاء العالم المتحضر!

 

وحقيقة لم يتوصل إدراكى القاصر للسر وراء هذه الطفرة التقنية، إلا أننى خمنت أن حكومة الوفاق قد بدأت فعلا فى تنفيذ البرنامج الرباعى للإنقاذ والإصلاح والتنمية منذ ليلة البارحة. وبعد إنتظار قليل قمت خلاله بعملية حسابية سريعة لتقدير قيمة المحادثة المتوقعة وما يعادلها فى سوق العملة “الأسود” أخبرت عاملة الهاتف إننى على استعداد لتلقى المحادثة. مضى بعض الوقت ثم سمعت صوتاﹰ يقول: “هالو! اننى أتحدث من تلفونى السرى فهل خطك مؤمن؟”

 

قلت: “ان تلفونى يعمل لاسلكياﹰ ولا أعتقد أن هناك ضماناﹰ للأمان أكثر من ذلك. ولكن قل من أنت؟”
فأجاب: “أنا ميشا”.

 

وبدأ لى صوتاﹰ مألوفاﹰ ولكنى لم أتذكر من يكون وشعرت بالحرج فى أن أساله عن ذلك. ولكنه أراحنى من الإحراج عندما سألنى بلهجة حذرة وكأنه يريد أن يتأكد من أننى الشخص المقصود: “هل هذا أنت يا محمدوف بشيروفتش حامديترى؟”

 

ألجمت الدهشة لسانى فقد تذكرت حينها أن “ميشا” هو اسم التدليل لمخائيل سيرجييش جورباتشوف. لم أعرف ماذا أقول فقد تملكنى إحساس غريب من التوجس والرهبة، فماذا ترى يريد منى السكرتير العام للحزب الشيوعى السوفيتى؟

 

وجدت نفسى أردد كالأبله: “ميشا؟ ميشا؟ أأنت مخائيل جورباتشوف؟”

 

قال بضحكة جافة: “طبعا، ومن كنت تتوقع؟ رونالد ريجان؟

 

أجبت وأنا أحاول أن أطمئن نفسى أن السؤال والضحكة الجافة التى صاحبته لا ينطوى على مغزى آخر أكثر من المزاح الثقيل: “أبداﹰ، أبداﹰ ولكن لم يحدث أن تشرفت بالتحدث معك عبر الهاتف من قبل”.

 

قال جورباتشوف: “أسمع يا محدوف بشيرفيتش أنا أتصل بك لأمر هام وعاجل للغاية، فقد اطلعت لتوى على تقرير كنت قد طلبت (الكى.جى. بى) أن تعده عنك بعد أن قرأت المقال المنشور بصحيفة (ألوان) العدد ۳۲۳ الصادر الخميس ۳۰ ذو العقدة ۱٤۰۸ هجرية”.

 

لم اصدق أذنيىّ فقد كان ما قاله جورباتشوف محيراﹰ ومربكاﹰ وخطيراﹰ. فما الذى يجعل الزعيم السوفيتى يقرأ أحدى صحف الجبهة القومية الاسلامية؟ انه أمر لا يصدقه العقل! وقبل أن أفيق من الدوامة التى داهمتنى تابع جورباتشوف حديثه قائلاﹰ: “إن المقال الذى أعنيه يتحدث عن (التحالف المنكود) بين الشيوعيين واليسار الأمريكى الذى يمثله أشخاص معروفين ذكر اسمك ضمنهم. وهذا التحالف كما تقول الصحيفة يعمل لخدمة مصالح (الغرب الصليبى) و(الشرق الملحد) و(الصهيونية العالمية). ثم أن المقال يصفك بانك (أحد أقطاب جمعية سى.آى.ايه. الخيرية)”.

 

ولا يمكن لأحد أن يتصور حالتى فى تلك اللحظة والمشاعر المتضاربة التى أعتملت فى داخلى. فمن ناحية تملكتنى رغبة جامحة فى الضحك فمجرد التفكير فى أن مخائيل جورباتشوف يقرأ صحيفة (ألوان) كان كفيلاﹰ بأن يقتلنى ضحكاﹰ. ومن ناحية آخرى كان نفس الأمر كفيلاﹰ بدق الاسفين الأخير فى نعشى. ولم أجد ما أقوله غير أن أقر بحقيقة أننى لم أقرأ المقال المذكور.

 

سألنى جورباتشوف بلهجة لا تخلو من الحدة: “هل هذه محاولة منك لإنكار ما ورد فى المقال؟”

 

جبت بسرعة: “كلا يا ميشا وأقسم بشرفى الماركسى أننى لم أتشرف بمطالعة المقال الذى تعنى. ثم أننى لا اقرأ عادة الا صحافة القمامة مثل (لومند) و(التايمز) و(القارديان) و(الواشنطون بوست) وشبيهاتها فى الصحافية المحلية إن وجدت”.

 

وعندما لم يعلق جورباتشوف تابعت حديثى قائلاﹰ: “هذ بالاضافة الى ان الحصول على صحيفة (ألوان) كما تعلم لا يقل مشقة عن الحصول على قطعة خبز أو جالون بنزين. فأعداد (ألوان) تنفذ قبل أن تخرج من المطبعة تماما كما يختفى الرغيف قبل أن يخرج من الفرن والماء قبل أن يخرج من الماسورة. ولكن قل لى يا ميشا كيف تتحصل أنت على الصحيفة؟”

 

أجابنى وأكاد أحس بنبرة الفخر فى صوته: “ان كل عدد من (ألوان) يكون دائماﹰ على مكتبى قبل أن تذهب الجريدة للمطبعة. اننى ابدأ يومى بقرأته قبل (البرافدا) و(إزفستيا). لقد تطورت الصحافة عندكم ممثلة فى (ألوان) لمستوى رفيع شكلاﹰ ومضموناﹰ. انه أمر رائع ومحير فى نفس الوقت. فأخبرنى يا محمدوف بشيروفيتش كيف تمكنتم من التقدم والإزدهار فى هذا المجال فى حين فشلتم فشلاﹰ مزرياﹰ فى كافة المجالات الآخرى؟”.

 

سجلت على الفور ملاحظة فى ذهنى بأن أقوم بتسديد إشتراك سنوى لصحيفة (ألوان) فى الصباح الباكر. وقبل أن أجد الوقت لأفكر فى إجابة مقنعة لسؤال جورباتشوف فوجئت بسؤال آخر جعل الرجفة تسرى فى أوصالى فقد سألنى: “بخصوص هذا المقال فاننا نريد أن نعرف على وجه التحديد لماذا ربطت (ألوان) بينك وبين ما يسمى اليسار الأمريكى؟”

 

شعرت بالعرق يتصبب من وجهى وبدأ الخوف يعتصرنى: ترى هل انكشف أمرى؟ ولكن بذكائى المعهود أسعفنى الخاطربأن أستغل إعجاب جورباتشوف الواضح بصحيفة (ألوان) لابعد أى شبهة حولى. فقلت وأنا أتصنع الابتسام: “الحقيقة انه مما يثلج الصدر أن صحيفة مثل (ألوان) فد صنفتنى باليسارية الأمريكية فهذا من شأنه أن يساعد فى ايجاد التغطية اللازمة والتمويه الضرورى لمهمتى الحقيقية ومن يدرى فقد يكون المقال قد كتب بايعاز غير مقصود من جانبى”.

 

وبدت إجابتى مقنعة على الأقل فى تقديرى. لكن لم أكن أعرف ما يدور فى ذهن جورباتشوف الذى بادرنى بقوله: “إن هناك بعض الأشياء الواردة فى المقال والتى لم نتمكن من استيعاب معناها تماماﹰ. فمن هو اليسار الأمريكى على وجه التحديد؟”

 

أجبت بسرعة: “أنه الإسم الحركى لرونالد ريجان”.

 

قال: “لقد لاحظنا ان الاسماء التى ذكرتها (ألوان) كممثليين لهذا اليسار الأمريكى تضم العديد ممن يحملون اسم “بشيرفيتش” مثل (محمدوف عمرتيشى بشيروفيتش) فما هو تفسيرك لهذا التطابق الغريب بين (البشيرية) و(اليسارية الأمريكية)؟”

 

أجبته: “ان الأمر لا يحتاج حقيقة لتفسير، فاسم (بشيروفيتش) كما تعلم (شائع) عندنا ولهذا فإن من يحمله يكون مؤهلا تلقائياﹰ لاحتضان (الشيوعية) أو اليسارية الأمريكية المتحالفة مع الشيوعية، أو على أسوأ الفروض اعتناق العلمانية”.

 

وسألنى جورباتشوف مستغرباﹰ: “وما دخل العلمانية بذلك؟”

 

فأجبته: “على حسب التحليلات العلمية والموضوعية لصحيفة مثل (ألوان) لم يكن لى شرف مطالعتها بإنتظام فان العلمانية هى الوجه الآخر للشيوعية فلا يمكن لشخص أن يتطلع للعلمانية قبل أن يكون شيوعياﹰ فى المقام الأول ومثل هذا التحليل المنطقى لا يحتمل تأويلاﹰ آخر أو رأى مخالف. فالحقائق الأوصلية لا تقبل الجدل البيزنطى”.

 

سألنى: “وماذا عن جمعية (سى.آى.ايه) الخيرية؟”

 

قلت وأنا أختار كلماتى بجذر: “اإن هذا الموضوع شائك للغاية ويتعلق بنادى (للأعضاء فقط) من صفوة المستثمرين فى البنوك الخاصة والذين يضاربون فى الحبوب الزراعية والعملة الأجنبية ومن المعروف أنهم ينتمون (لدار مال عالمية) مقرها فى جينيفا ومسجلة فى جزر الباهاما وتتعامل بالمضاربة فى أسواق المال العالمية ومن المؤكد أنها سميت بجمعية (السى. آى. ايه) الخيرية لأعمالها الرابحة فى أمريكا اللاتينية حيث يقومون بخلط الكوكايين بالدقيق والمبيدات الزراعية وما شابه ذلك”.

 

قال جورباتشوف وكأن المعلومات التى ذكرتها معروفة عنده سلفاﹰ: “دعنا نعود لموضوع المقال فقد قمنا كما تعلم بتجنيدك فى الماضى بعد أن أطنبت (ألوان) فى وصفك بالشيوعية والعمالة وأغدقت عليك خلال الفترة الانتقالية لقب (الوزير الأحمر). فكيف تفسر إذن إتهام الصحيفة لك الآن باعتناق اليسارية الأمريكية؟ وكيف يستقيم هذا مع إصرارهم السابق على ميولك الشيوعية؟”

 

ولا أخفى اننى حرت فى كيفية مواجهة تلك الدفعة من الأسئلة التى أطلقها تجاهى ولعنت فى سرى اليوم الذى قررت فيه التعاون مع الروس فلم أكن أعرف أن لهم خاصية التشبث العنيد بأمور ليس من داع لتعقيدها. ولكن كان لا بد من الإجابة فقلت وأنا أضع يدى على قلبى: “لا أعتقد أن هناك تناقض فيما ذكرته (ألوان) يا ميشا فقد أكدت الصحيفة نفسها ان اليسار الأمريكى متحالف مع الشيوعيين ولا غرابة فى ذلك على الاطلاق فقد توصلتم يا ميشا مع رونالد ريجان فى قمة موسكو الأخيرة لإتفاقية الحد من الأسلحة النووية”.

 

وبدت لى إجابتى مقنعة وقاطعة وخطر فى ذهنى أنه اذا كان الكبار يعملونها فلماذا تُحٙرم على الصغار. لم أقل هذا بالطبع لجورباتشوف ولكنى إنتهزت فرصة الصمت الذى خيم عليه وتابعت قائلاﹰ: “ثم ان اصحاب (ألوان) أناس خيرون ولعلهم أرادوا بتصنيفهم الأخير أن يفتحوا أمامى أبواب الاسترزاق غرباﹰ (بالدولار) بعد أن فتحوه لى شرقاﹰ (بالروبل) وهو بلا شك جهد مقدر منهم وخصوصاﹰ ان (روبلكم) كما تعلم با ميشا يمر بمرحلة (قلاسنوست) الإنفتاحية”.

 

وجاءنى صوت جورباتشوف وهو يسأل: “أتظن حقيقة يا محمدوف بشيروفيتش أنهم أناس خيرون؟” تعجبت لسؤاله ولم أستطع أن أحدد من نبرة صوته ان كان يشوب سؤاله نوع من السخرية أم بات تراوده تطلعات لاستكشاف مزايا اليسارية الأمريكية! ولكنى أجبته بحماس: “اننى لا أشك اطلاقاﹰ فى خيرتهم فقد تصدوا لحمل هموم البلاد الروحية منها والمادية ولو اتخذت الجماعات الآخرى ذات المنحى لوجدنا الحلول الناجعة لكل مشاكلنا. فالمعاناة المعيشية ستنتهى لو أقتنعنا انه ليس بالخبز وحده يحيا الانسان. والعطالة ستختفى لو أصبحنا كلنا عملاء. والحرب المستعرة فى الجنوب سيخمد أوارها لو اقتنع قادة التمرد انه لا تفضيل لشمالى على جنوبى الا بالدرجة المطلوبة من المواطنة. انهم حقيقة هبة السماء للمستضعفين على الأرض. فأحدهم قد جاءنا بحل عبقرى لمشكلة السكن يتمثل فى بناء قصر فى منطقة السكن العشوائى. والآن ونحن نعيش فترة الوفاق الوطنى فاننا بلا شك نرى الظلام فى نهاية النفق المضئ. فحكومة الوفاق قد شمرت عن ساعد الجد لتنفيذ سياسة العقد الاجتماعى لتوفير المساواة الاجبارية”.

 

سألنى جورباتشوف بتعجب: “وما هى المساواة الاجبارية؟”

 

وأجبته: “انها المصطلح السودانى المقابل لسياسة (البريسترويكا) لاعاة البناء التى تبشرون بها يا ميشا، إلا أننا نعنى بها بناء المساواة الإجبارية للتمتع بالحياة. فنحن مثلا نتلذذ بشرب ماء الطين معاﹰ ونستمتع بانقطاع التيار الكهربائى فى مساواة وفاقية رائعة ونقف نتسامر فى صفوف الخبز طوال الليل. اننا باختصار نعيش مجتمع (الوفرة فى الندرة)”.

 

ولم يتحدث جورباتشوف لفترة طويلة واكاد أجزم أن الذى شغل ذهنه فى تلك اللحظات هو أنه كان يسائل نفسه اذا كان كارل ماركس فد تنبه وكتب شيئا عن نظرية (العقد الاجتماعى لتوفير المساواة فى المعاناة الإجبارية). وتوقعت أن يمطرنى بوابل من الاسئلة عن النظرية. ولعنت خمولى المعهود الذى حال دون قراءتى للكثير مما كتب عن ميثاق السودان والعقد الاجتماعى وميثاق الوفاق ومشروع وبرنامج الانقاذ والإصلاح الرباعى وهلمجرا.

 

ولكن جورباتشوف فأجأنى بقوله: “ان كل هذه المعلومات متوفرة لدينا وما أريد أن أصل اليه هو الآتى: اذا أخذنا فى الاعتبار كل ما قلته ومع الحقائق الواردة فى مقال (ألوان) فان ذلك يقودنا الى سؤال مهم للغاية ونريد أن تجيب عليه بكل صراحة”. سكت جوباتشوف لحظة ثم القى بقنبلته سائلاﹰ: “هل يعنى كل هذا يا محمدوف بشيرفيتش أك تنوى مزاولة العمالة المزدوجة؟”

 

لم يكن السؤال مفاجئاﹰ فقط بل كان مأزقاﹰ حقيقياﹰ وأدركت على الفور ان الروسى الداهية كان يعرف كل شئ عن تحركاتى الخفية واتصالاتى المريبة. اسقط فى يدى ولم يعد أمامى مجال للإنكار ولكنى قررت فى ذات الوقت ان هذا المأزق القاتل لن يدفعنى للإنهيار فلعل جورباتشوف يمتحن مدى صلابتى ومن يدرى فقد تمكننى حصافتى من الخروج من تلك المحنة بأقل الخسائر. وتذكرت ما قرأته فى كتب الجاسوسية بانه يتوجب دائما الإجابة على السؤال المحرج بسؤال آخر.

 

فقلت فى حركة مراوغة يحسدنى عليها مارادونا: “وهل تريدنى يا ميشا أن ألعب دور العميل المزدوج؟”

 

وعندما لم يجب أردفت بسرعة: “اننى أعلم أن العمالة المزدوجة لعبة خطرة ولكنى على إستعداد للمخاطرة من أجل قضية البناء وبرنامج الإصلاح الرباعى”.

 

وجاءنى صوت جوباتشوف فى كلمات تحمل فى طواياها نبرات من الشك: “وماهو الضمان أنك لن تعمل لصالح الامريكان؟”

 

قلت وأنا أتصنع الضحك: “أرجو الا تشغل نفسك بمثل هذه الوساوس يا ميشا فهم لا يعرفون شيئا عن عمالتى لكم لانهم لا يقرأون صحيفة (ألوان) فلا تقلق فى هذا الشأن وكما تعرف من تجربتك الشخصية مع ريجان لهم مقدرة فائقة فى تصديق أى شئ. صدقنى يا ميشا انها فرصة نادرة لى لإحتراف العمالة المزدوجة ولن تندم أبداإاذا سمحت لى بإغتنامها”.

 

وحبست أنفاسى وأنا فى انتظار قرار جورباتشوف إلى قال بعد فترة خلتها دهراﹰ: “حسناﹰ يا محمدوف بشيرفيتش، سأبحث الأمر مع الزملاء فى المكتب السياسى للجنة المركزية ولا تقلق فساوصى بالموافقة لكن عليك إلتزام جانب الحذر فلا أريد أن اقرأ فى (ألوان) أنك أصبحت أحد اقطاب الجمعية التعاونية للمخابرات الصينية”.

 

طمأنت جورباتشوف وشكرته من كل قلبى. ووضعت سماعة التلفون جانباﹰ وأنا اتصبب عرقاﹰ فقد كانت تجربة قاسية ومأزقاﹰ حرجاﹰ خرجت منهما باعجوبة. نظرت من النافذة لأرى تباشير الفجر تطارد فلول الظلام وتملكنى شعور غامر بالسكينة وراحة البال وانزاحت عن كاهلى بواعث القلق والأرق. كانت التجربة قد أنهكتنى ذهنياﹰ وأرهقتنى جسمانياﹰ فشعرت بالإسترخاء يغمرنى والنعاس يداعب جفونى.

 

وفجأة صحوت من غفوتى على رنين التلفون المتواصل. قفزت واقفاﹰ وأفكار متضاربة تتصارع فى ذهنى. ماذا حدث؟ هل تمكن جورباتشوف من جمع أعضاء المكتب السياسى فى هذا الوقت الوجيز؟ أم لعله قد غير رأيه فى الموضوع برمته؟

 

رفعت السماعة بيد مرتجفة وجاءنى صوت عاملة الهاتف وهى تسأل ان كنت على استعداد لتلقى مكالمة خارجية على أن أدفع قيمتها محلياﹰ. صرخت فيها بأن تقوم بتوصيل المحادثة فوراﹰ. ثم سمعت صوتاﹰ يسألنى: “هل هذا أنت يا مهمد؟” كان صوتاﹰ أعرفه جيدا فقد سمعته مرات عديدة فى أفلام الكاوبوى وافلام البوليسية من الدرجة الثالثة.

 

قلت وأنا اشعر بقلبى يغوص لقدمىّ: “نعم اننى على الخط يا رونى”.

 

قال رونالد ريجان: “اننى أتحدث من تلفونى السرى فهل خطك مؤمن؟”

 

لم أحاول أن أزيد من إرهاقى بالرد عليه فتابع ريجان حديثه قائلاﹰ: “أسمع يا مهمد أن أمامى تقرير عنك من (السى.آى.ايه)”.

 

وجدت نفسى لا شعوريا أقاطع ريجان قائلاﹰ بصوت أنهكه الارهاق: “لا تقل لى يا ريجان أنك أيضا تقرأ صحيفة (ألوان)؟”

 

فرد ريجان مستغرباﹰ: “وكيف عرفت ذلك؟”

 

وعندما لم أجبه أستطرد قائلاﹰ: “فى واقع الأمر أن التقرير يتعلق بما ورد فى المقال المنشور بصحيفة (ألوان) العدد ۳۲۳ الصادر يوم الخميس ۳۰ ذو القعدة ۱٤۰۸ هجرية….”

 

 

الأيام ٤ أغسطس ۱۹۸۸

 


Leave reply

Login to post a comment.

Back to Top