Archive: July, 2012

الطابور الخامس

إنتابنى شعور عارم وأنا أتابع شريط الاحداث فى السودان، خاصة منذ تٙفجُر الأوضاع فى هيجليج وأبيى فى صيف ۲۰۱۲، بأن ما أشاهده قد عشته أو رأيته من قبل. تذكرت ’المسيرات المليونية‘خلال الفترة الإنتقالية بمدعاة دعم القوات المسلحة، والحشود والتظاهرات لحاملى المصاحف إستجداءﹰ للعواطف الدينية ولإرهاب وإضعاف حكومة المهدى فى عهد الديموقراطية الثالثة ، ثم تحويل الحرب الأهلية فى الجنوب الى جهاد دينى،مع تخويف وتخوين الخصوم والمعارضين. تذكرت أيضا أنه، تبعا لهذا المنهج، فقد تم اتهامى فى منشورات الجماعة بالشيوعية فى الفترة الانتقالية ثم تم ترفيعى فى صحفهم لعميل بوكالة الاستخبارات الامريكية خلال فترة الديمقراطية الثالثة. ولم أدم طويلا فى تلك المنزلة الرفيعة من العمالة المزدوجة ففى أواخر العهد الديمقراطى قامت صحيفة ’ألوان‘ بتنزيلى، ضمن مجموعة من الزملاء، الى مرتبة ’الطابور الخامس‘ فى الخرطوم للحركة الشعبية لتحرير السودان. كان أحد ردودى على تهجمهم علىﱠ حينذاك هو هذا المقال الذى نشر وقتها بالعربية (صحيفة ’الخرطوم‘) والأنجليزية (سودان تايمز) فى ديسمبر ۱۹۸٧ والذى تمت إعادة نشره فى حريات سودان فى ۱۱ يونيو ۲۰۱۲ مؤازرةً لكل من طُعِن فى وطنيتهم، خاصة بعد أحداث هيجليج الأخيرة.

 

صحيفة حريات ۱۱ يونيو ۲۰۱۲

 

الطابور الخامس

 

لابد أن بعضهم قد خّبـٙر عنى لدّى السلطات فمن غير أن أرتكب أية جريمة وجدت نفسى متهماﹰ بأننى ’طابور خامس‘. وفى البداية لم أعر الأمر أى اهتمام لأننى ببساطة كنت أجهل ماذا يعنى مصطلح ’الطابور الخامس‘ على وجه التحديد وإن ارتبط فى ذهنى باللألعاب الاولمبية لسبب غامض لا أجد له تفسيراﹰ الأن. وقد صرفت الموضوع برمته بحسبان أنه لا يخرج عن نطاق الإرهاب السياسى والتشهير الشخصى الذى أدمنت ممارسته بعض الجماعات والصحف التابعة لها. ثم أنه لم يكن من داعٕ لأن يسبب الإتهام قلقاﹰ لى فهناك العديد من الشخصيات التى تورطت فعلياﹰ فى أعمال غير قانونية خلال حقبة السلطنة المايوية فأبدعوا كمستشارين فى صياغة التشريعات ’البيعية‘ وتجلت عبقريتهم كاقتصاديين فى المضاربات ’التعاملية‘. لم يحدث لأحد منهم أى مكروه بل أنهم بعد إنقراض عهد الإمامة تصدوا للعمل السياسى ثم تصدروه. لماذا إذن اقلق لمجرد أن بعضهم قد قرر إتهامى بأننى ’طابور خامس‘؟ ومما زاد من إطمئنانى إقتناعى التام أن الجماعة التى خّبَرت عنى تدعى زورﴽ إحتكار الوطنية، الدنيوية منها والدينية، و تتعامل مع كل شخص يخالفها الرﺃى على أنه مارق وملحد وعميل وطابور خامس الى آخر المصطلحات التى أدخلوها فى قاموس السياسة السودانية. كنت على يقين أن أحدﴽ لن يصدق إتهاماتهم المفترية خصوصاﹰ إﺫا نظر المرء الى سِجل ماضيهم السياسى الُمعِيب.

 

ولكن يبدو أننى فى هذا الشأن قد أخطأت التقدير فلم أكن أدرى أنهم طورا لحد الإتقان النظرية الهتلربة التى تقول أنك إذا رددت الكذبة مرارﴽ وتكراراﹰ فسيصدقها الناس فى آخر الأمر. وبالتالى فإن قناعاتى الساذجة بحقيقة براءتى سرعان ما بدأت تتضاءل بدرجة متوازنة لردود الفعل لإتهامى. اول ما اكتشفت هذه الحقيقة المرة كانت عندما حضر احد اصدقائى المقربين ليعلن أنه يتبرأ من صداقتى و يعلق وهو يهز رأسه بآسى أنه خلال الحرب الأهلية الأسبانية كان يتم إعدام المنتمين للطابور الخامس رمياﹰ بالرصاص. والحقيقة أننى لم افهم وجه المقارنة بين الإتهام الموجه لى والممارسات التى تمت خلال الحرب الأهلية بأسبانيا فى الثلاثينات، فأنا لم احارب فى صفوف الجمهوريين (الاسبان وليس السودانيين) وقطعاﹰ لم تكن لى صلة بجماعة الفاشية (الاسبانية أو السودانية). ثم أن ربط إتهامى بما حدث فى الثلاثينات لا معنى له فوقتئذ لم أكن حتى مجرد خاطر فى ذهن والدﱠى.

  Read more

Back to Top
%d bloggers like this: